نوع المقالة : Research Paper

المؤلف

مرکز الدراسات الإقلیمیةم جامعة الموصل/ العراق

الملخص

یتناول البحث إحدى أهم الاستراتیجیات التی اعتمدت علیها الولایات المتحدة الأمریکیة لتأمین مصالحها ومواجهة التحدیات والمخاطر التی تهددها، وهی استراتیجیة الردع من خلال استخدام الدروع الصاروخیة. ویسعى البحث إلى توضیح بدایات ظهور هذه الاستراتیجیة ومن ثم تطورها وتنامیها عبر الادارات المختلفة. کما یحاول دراسة وتحلیل السیاسة الخارجیة لإدارة بوش الابن ( 2001 – 2009 ) من إذ ترکیزها على مشروع الدرع الصاروخی وسعیها من أجل تطویره وتوسیعه بالشکل الذی یتلاءم مع استراتیجیة الهیمنة التی تبنتها، وما ترتب على ذلک من تأثیر على العلاقات مع روسیا الاتحادیة . وانتهى البحث بخاتمة تضمنت اهم الاستنتاجات

الكلمات الرئيسة

الموضوعات

الدرع الصاروخی الأمریکی

 وتأثیره على العلاقات الأمریکیة-الروسیة

 

فارس ترکی محمود

مدرس/ قسم السیاسات العامة/ مرکز الدراسات الاقلیمیة/ جامعة الموصل

dr.faristurki@uomosul.edu.iq

 

 

 الاستلام: 15/9/2019                               القبول: 1/12/2019

 

 

 

     یتناول البحث إحدى أهم الاستراتیجیات التی اعتمدت علیها الولایات المتحدة الأمریکیة لتأمین مصالحها ومواجهة التحدیات والمخاطر التی تهددها، وهی استراتیجیة الردع من خلال استخدام الدروع الصاروخیة. ویسعى البحث إلى توضیح بدایات ظهور هذه الاستراتیجیة ومن ثم تطورها وتنامیها عبر الادارات المختلفة. کما یحاول دراسة وتحلیل السیاسة الخارجیة لإدارة بوش الابن ( 2001 – 2009 ) من إذ ترکیزها على مشروع الدرع الصاروخی وسعیها من أجل تطویره وتوسیعه بالشکل الذی یتلاءم مع استراتیجیة الهیمنة التی تبنتها، وما ترتب على ذلک من تأثیر على العلاقات مع روسیا الاتحادیة . وانتهى البحث بخاتمة تضمنت اهم الاستنتاجات.

الـکـلـمات الـمفتاحیة: الدرع الصاروخی الأمریکی؛ استراتیجیة الدرع الصاروخی؛ العلاقات الأمریکیة-الروسیة.

 

مستخلص البحث

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Available online at https://regs.mosuljournals.com/, © 2020, Regional Studies Center,

University of Mosul. This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/)

       
   
 
     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Received: 26/1/2020                                  Accepted: 17/3/2020

 

 

Abstract

           
 

The paper, entitled "The U.S.A Missile Shield and its influence on US-Russian Relations", explain one of the most important strategies that the United States has depend on to secure its interests and facing the challenges and threats it poses which is deterrence through the use of missile shields. The research seeks to clarify the beginnings of the emergence of this strategy and then its development and growth. It also attempts to study and analyze the Bush administration's foreign policy in terms of its focus on the missile shield project ; its quest to develop and expand it following the strategy of hegemony, and the impact on relations with Moscow.

 Keywords: U.S. Missile Shield; Missile Shield Strategy; U.S.- Russian Relations.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
     
 
   

Available online at https://regs.mosuljournals.com/, © 2020, Regional Studies Center,

University of Mosul. This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة

     سعت السیاسة الخارجیة الأمریکیة الى توظیف واستخدام مختلف الوسائل من أجل تحقیق الأهداف العلیا للولایات المتحدة الأمریکیة وحمایة مصالحها الحیویة، وقد تنوعت هذه الوسائل فمنها الدبلوماسی والسیاسی والاقتصادی والعسکری، وکان مشروع الدرع الصاروخی واحداً من أهم هذه الوسائل التی کان لها تأثیر بارز على السیاسة الخارجیة للولایات المتحدة الأمریکیة، وأثرت على العلاقات الخارجیة لواشنطن، وهذا ما سوف یستعرضه ویناقشه هذا البحث.

فرضیة البحث:

 ینطلق البحث من فرضیة مفادها أن هناک تصور أمریکی بوجود خطر روسی على أوروبا الشرقیة بخاصة ودول الاتحاد الأوروبی بعامة، ولمواجهة هذا الخطر تبنت بعض الإدارات الأمریکیة لاسیما الجمهوریة منها استراتیجیة اقامة درع صاروخی فی تلک المنطقة لمواجهة أیة مخاطر روسیة فی المستقبل.

مشکلة البحث:

 تنبع مشکلة البحث من حقیقة ان انتهاء الحرب الباردة بین الولایات المتحدة الامریکیة والاتحاد السوفیتی السابق لم تنه التحدیات الاستراتیجیة التی تمثلها روسیا الاتحادیة وسیاساتها تجاه المصالح الأمریکیة لاسیما فی اوروبا الشرقیة تحدیدا ولذلک رات الادارات الامریکیة الجمهوریة ان اهم استراتیجیة یتوجب تبنیها للتصدی للمخاطر والتحدیات الروسیة هی اعتماد استراتیجیة الدرع الصاروخی الامریکی فی تلک المنطقة الامر الذی اثار حفیظة روسیا الاتحادیة وأثر سلبا فی العلاقات الامریکیة-الروسیة.

أهمیة البحث:

تکمن أهمیة البحث فی کونه یسلط الضوء بشکل مفصل على واحد من اهم المشاریع الدفاعیة الاستراتیجیة التی حاولت الولایات المتحدة تنفیذها فی منطقة أوروبا الشرقیة القریبة من الحدود الروسیة من الحفاظ على مصالحها ومصالح حلفائها فی تلک المنطقة.

  هیکلیة البحث:

        تم تقسیم البحث إلى ثلاثة مباحث، تناول المبحث الأول: بدایات ظهور المشاریع المتعلقة بالدرع الصاروخی، والجذور التی ینتمی الیها، وتطور الفکرة وتنامیها خلال النصف الثانی من القرن العشرین وصولاً إلى إدارة جورج بوش الإبن. أما المبحث الثانی: فیسلط الضوء على السیاسة الخارجیة لإدارة جورج بوش الابن التی کانت تهدف إلى فرض الهیمنة الأمیرکیة على المستوى العالمی، مستخدمة فی ذلک السبیل مختلف الوسائل والأسالیب وبخاصة الوسائل العسکریة، لذلک عکفت هذه الإدارة على مشروع الدرع الصاروخی وعمدت إلى تطویره وتوسیعه بشکلٍ غیر مسبوق، إذ کانت تسعى إلى إقامة درعها الصاروخی أو جزء منه فی بعض دول أوربا الشرقیة بالقرب من الحدود الروسیة. وفی المبحث الثالث: تم رصد ومتابعة ردود الفعل الروسیة تجاه مشروع الدرع الصاروخی ومحاولة نشر أجزاء منه فی عدد من دول أوربا الشرقیة مثل بولندا والتشیک، وانعکاس ذلک على العلاقات الأمریکیة_الروسیة.

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الاول: البدایات والجذور

   کان انتهاء الحرب العالمیة الثانیة عام 1945 ودخول العالم مرحلة القطبیة الثنائیة إیذاناً ببدء صفحة جدیدة من صفحات الصراع متمثلة بالحرب الباردة بین المعسکر الرأسمالی بقیادة الولایات المتحدة الأمریکیة من جهة، والمعسکر الاشتراکی بقیادة الإتحاد السوفیتی من جهةٍ أخرى، وقد حرص الطرفان على امتلاک ومراکمة کل أسباب القوة المادیة والمعنویة ووضع الخطط والاستراتیجیات من أجل الفوز بتلک الحرب، وقد ظهرت نتیجة لذلک الکثیر من الأفکار والنظریات التی حاولت أن تحدد أفضل السبل المتاحة لإدارة الصراع. وقد تناولت الکثیر من تلک النظریات والطروحات الأفکار المتعلقة بالردع والتدمیر المتبادل، هذه الأفکار القائمة أساساً على استخدام الصواریخ البالیستیة فی ضرب وتدمیر العدو من جهة، وتفادی الضربات الصاروخیة التی قد یوجهها العدو من جهةٍ أخرى، کانت نقطة البدایة لظهور فکرة الدروع الصاروخیة المضادة للصواریخ.

   ویمکن تعریف الدرع الصاروخی الأمریکی بأنه عبارة عن شبکة حمایة مکونة من أنظمة صواریخ أرضیة، مستندة إلى نقاط جغرافیة عدة، قادرة على إسقاط أی صاروخ بالیستی عابر للقارات یستهدف الأراضی الأمریکیة. ویتألف هذا النظام من الآتی ([1]):

أولاً: الدفاع السلبی (Passive Defense) وسمی بالدفاع السلبی لأن عمله یقتصر على کشف ورصد الصواریخ المعادیة من خلال استخدام وسائل الإنذار المبکر المعتمدة على رادارات أرضیة عملاقة وأقمار صناعیة متطورة ومزودة بمستشعرات حراریة تعمل بالأشعة تحت الحمراء یمکنها رصد الصواریخ من الغازات الساخنة المنطلقة من محرکاتها.

ثانیاً: الدفاع الإیجابی أو الفعَّال (Active Defense) والمقصود به القدرة على اسقاط الصواریخ قبل بلوغ أهدافها، من خلال استخدام نظم فضائیة وأرضیة عالیة الدقة لتتبع واعتراض الصواریخ المهاجمة وتدمیرها فی الجو.

ثالثاً: نظام للقیادة والسیطرة مهمته إدارة منظومة الدفاع الصاروخی فنیاً وعسکریاً.

   بمعنى أن طریقة عمل الدرع الصاروخی تتمثل فی أنه یقوم على إنشاء محطة رادار أرضیة تکون مربوطة بقمر صناعی موجود فی الفضاء، وعندما ینطلق الصاروخ العابر من دولة معادیة تجاه أی هدف أمریکی سواء کان فی الولایات المتحدة الأمریکیة أو فی مختلف أنحاء العالم، فإن القمر الصناعی یرسل إشارة إلى المحطة الأرضیة، وتقوم المحطة الأرضیة بتنبیه محطة إطلاق الصواریخ المضادة فینطلق منها صاروخ بهدف تدمیر الصاروخ العابر فی الفضاء وقبل أن یصل إلى هدفه المفترض ([2]) .

   لقد ظهرت أولى المحاولات لتطبیق فکرة الدرع الصاروخی فی بدایة عقد الستینیات من القرن العشرین وذلک حینما قام الاتحاد السوفیتی بنشر عدد من وحدات القوات الصاروخیة البالستیة وعملوا على تعزیزها وتطویرها وتوسیع عملها طیلة فترة الستینیات. أما فی الولایات المتحدة الأمریکیة فقد بدأت فی عهد الرئیس لیندون جونسون (Lyndon B. Johnson) (1963 - 1969) بإنشاء نظام أو برنامج الحارس (Sentinel program) فی أیلول/ سبتمبر عام 1967 للدفاع ضد الصواریخ الموجهة من الصین، وفی آذار / مارس عام 1969 تم اعتماد برنامج جدید من قبل الرئیس الأمریکی ریتشارد نیکسون (Richard M. Nixon) (1969 - 1974) کان یهدف إلى حمایة الأراضی الأمریکیة من أی اعتداء خارجی وبخاصة الصواریخ الموجهة من الاتحاد السوفیتی والصین، وقد أطلق على هذا البرنامج تسمیة الحامی أو سیفجارد (Safeguard) وکان هذا البرنامج یعتمد على نوعین من الصواریخ الصاروخ (سبارتان) للاعتراض خارج الغلاف الجوی، والصاروخ (سبرنت) للاعتراض داخل الغلاف الجوی، وکلا النوعین مزوّد برؤوس نوویة ([3]) .

   لم یستمر سباق التسلح الصاروخی طویلاً بین واشنطن وموسکو فبسبب التکلفة العالیة والنفقات الباهظة لبرامج وأنظمة الدفاع والهجوم الصاروخیة، وما یترتب علیها من إنهاک للأطراف المنخرطة فیها، جنح الطرفان إلى محاولات التهدئة وانخرطا فی محادثات ثنائیة أسفرت عن توقیع اتفاقیة سالت واحد ((Strategic Arms Limitation Talks (SALT 1) فی 26 أیار / مایو عام 1972 والتی ألزمت الجانبین بإجراء تخفیضات کبیرة على الترسانة الصاروخیة التی یمتلکانها، وفی عام 1979 دخلت واشنطن وموسکو فی محادثات من أجل عقد اتفاقیة أخرى للحد من الأسلحة عرفت بـ (سالت اثنین) (SALT 2) إلا أن مجلس الشیوخ الأمریکی رفض المصادقة علیها بسبب الغزو السوفیتی لأفغانستان .

   وبعد وصول إدارة الرئیس الأمریکی رونالد ریغان (Ronald Wilson Reagan) (1981 – 1989) إلى سدة الحکم فی واشنطن دخل سباق التسلح مستوىً جدیداً من التصعید، إذ أن إدارة ریغان المتشددة شجبت سیاسة التهدئة التی اتبعتها الولایات المتحدة خلال عقد السبعینیات وأعربت عن اعتراضها على الاتفاقیات المعقودة بین الولایات المتحدة الأمریکیة ([4])، وأعلن وزیر الدفاع حینها کاسبر وینبرغر (Caspar Weinberger ) بأن إستراتیجیة إدارة ریغان تهدف إلى تحقیق " التفوق العسکری الکامل والذی لا جدال فیه، واستعادة الدور القیادی للولایات المتحدة فی العالم ". وأضاف قائلا: " یجب علینا أن نکون جاهزین منذ الیوم للدخول فی الحرب إذا دعت الحاجة لذلک . . . " وصرح فی لقاء تلفزیونی بأن الولایات المتحدة الأمریکیة لن تتورع عن استخدام القوة المسلحة بما فی ذلک السلاح النووی لحل المشاکل الدولیة ([5]).

   طرحت إدارة ریغان مبادرة الدفاع الاستراتیجی فی آذار / مارس عام 1983 والتی عرفت بـ (حرب النجوم) وکانت تعتمد على أسلحة بالغة التعقید وتتمتع بتقنیة عالیة ترکَّب على الأقمار الصناعیة وتستخدم أشعة اللیزر لتدمیر الصواریخ والرؤوس الحربیة المعادیة ([6])، فضلاً عن اعتمادها على أنظمة الدفاع التقلیدیة والمتمثلة بالأسلحة الأرضیة المضادة للصواریخ. وقد کان هذا البرنامج الدفاعی واحدا من أقوى وأوسع برامج الدفاع الأمریکیة ورصدت له میزانیة بحوالی (26) ملیار دولار، وقد أسهم بشکل کبیر فی رفع حدة التوتر والتصعید بین الولایات المتحدة الأمریکیة والاتحاد السوفیتی ولم یتوقف هذا التصعید إلا بعد وصول میخائیل غورباتشوف (Mikhail Gorbachev) للحکم فی الاتحاد السوفیتی عام 1985 الذی انتهج سیاسة مغایرة تهدف إلى التهدئة والتقلیل من التوتر بین الجانبین نتج عنها عقد قمة ثنائیة بین غورباتشوف والرئیس الامریکی ریغان فی کانون الاول / دیسمبر 1987 وتم التوصل خلالها إلى معاهدة القوى النوویة التی ألزمت الطرفین بتدمیر کافة منظومات الصواریخ التی یتراوح مداها القصیر ما بین (500 – 1000) کیلو متر، ومداها المتوسط (1000 – 5500) کیلو متر وعدم تصنیع أی صواریخ جدیدة ([7]) .

   استمر التحسن فی العلاقات الأمریکیة_السوفیتیة خلال النصف الثانی من عقد الثمانینیات، وتراجع بالتالی الاهتمام بالمشاریع الاستراتیجیة المتعلقة بالدفاع الصاروخی وبقی هذا الوضع حتى انهیار الاتحاد السوفیتی وانتهاء الحرب الباردة عام 1991. وعلى الرغم من انتصار الولایات المتحدة الأمریکیة فی الحرب الباردة وعلى الرغم من القضاء على خصمها الأیدیولوجی إلا أن ذلک لا یعنی تراجع الاهتمام الأمریکی بفکرة الدروع الصاروخیة، إذ أن الأخطار والتهدیدات الأمنیة التی ظهرت بعد انتهاء الحرب الباردة جعلت صانع القرار الأمریکی یرکِّز مرة أخرى على استراتیجیات الدفاع الصاروخی، لذلک سعت إدارة الرئیس بیل کلینتون (Bill Clinton) (1993 - 2001) فی منتصف التسعینیات إلى إعادة إحیاء برنامج الدفاع الاستراتیجی من أجل مواجهة التهدیدات المحتملة من الدول التی أسمتها واشنطن بـ (الدول المارقة)· مثل إیران، والعراق، وکوریا الشمالیة، أو من التنظیمات المسلحة والمتشددة المناهضة للسیاسات الأمریکیة .

 

 

 

 

 

المبحث الثانی: إدارة جورج بوش الابن

   تعد إدارة جورج بوش الابن (George W. Bush) (2001 – 2009) من أکثر الإدارات الأمریکیة تشدداً، إذ أنها خضعت بشکلٍ شبه کامل لتیار المحافظین هذا التیار الذی وضع نصب عینیه هدفاً محدداً وهو فرض السیطرة الأمریکیة المطلقة على العالم برمته ومنع ظهور أی منافس أو قوة أو کیان قد یشکِّل خطرا على مصالح الولایات المتحدة الأمریکیة أو مکانتها وسطوتها العالمیة، معتمداً فی ذلک على عدد من الوسائل أهمها التصرف بشکل أحادی وتبنی سیاسة الضربة الاستباقیة والاعتماد على القوة العسکریة بوصفها الوسیلة الأفضل لتحقیق أهداف وخطط واشنطن وحمایة مصالحها الحیویة، لذلک کان من الطبیعی أن تولی هذا الإدارة اهتماماً کبیراً لقضایا التسلح ولبرامج الأنظمة والدروع الصاروخیة لأهداف دفاعیة وهجومیة.

   لقد کان لوقوع أحداث الحادی عشر من أیلول / سبتمبر 2001 وتعرض الولایات المتحدة الأمریکیة للهجوم فی عقر دارها أبلغ الأثر فی تسریع خطط وإجراءات الإدارة الأمریکیة المتعلقة بالدرع الصاروخی، ففی القمة الأمریکیة_الروسیة التی عقدت فی تکساس فی تشرین الثانی / نوفمبر عام 2001 بذل الرئیس الأمریکی جورج بوش الابن آخر محاولة من أجل إقناع الرئیس الروسی فلادیمیر بوتین (Vladimir Putin) إذ عرض بوش تقدیم مساعدات مالیة لروسیا مقابل الانسحاب الأمریکی من المعاهدة، إلا أن الرئیس الروسی رفض هذا العرض. وبعد هذا اللقاء بین الرئیسین أبلغ بوش الکونجرس أنه قد آن الأوان للولایات المتحدة الأمریکیة لتعمل بعیداً عن هذه المعاهدة ([8]).

   وبناءً على ما تقدم أعلنت الولایات المتحدة الأمریکیة فی 13 کانون الأول / دیسمبر عام 2001 انسحابها من معاهدة الصواریخ المضادة للصواریخ البالیستیة (ABM) لعام 1972، وصرح حینها الرئیس بوش الابن قائلاً " لقد أبلغت روسیا الیوم وبشکل رسمی انسحاب الولایات المتحدة الأمریکیة من معاهدة الصواریخ المضادة للصواریخ البالستیة، لقد استنتجت بأن هذه المعاهدة تعرقل قدرتنا على تطویر الوسائل الکفیلة بحمایة شعبنا من هجمات صاروخیة قد تشنها الجماعات الإرهابیة أو الدول المارقة . . . کما أنه لم یعد بین الولایات المتحدة وروسیا عداء یبرر استمرار التمسک بالمعاهدة " وأضاف " بأن هذه المعاهدة تجسد الماضی، ونحن مطالبون بتجاوز إکراهات هذه المعاهدة القدیمة منذ ثلاثین عاماً . . . أما الیوم فإن أحداث الحادی عشر من أیلول 2001 أثبتت أن أکبر تهدید لدولتینا لا یأتی من بعضنا البعض أو من بعض القوى الکبرى فی العالم، بل من الإرهابیین الذین یضربون على حین غرة، أو من الدول المارقة التی تسعى لامتلاک أسلحة الدمار الشامل "، وأضاف بوش " لن أسمح أن تبقى الولایات المتحدة أسیرة معاهدة تمنعنا من تطویر دفاع جید"، وعبر عن رغبته فی أن لا یؤثر هذا القرار على العلاقات بین موسکو وواشنطن، وأشار إلى رغبته فی إقامة علاقة استراتیجیة مع روسیا ([9]) .

   وضعت إدارة بوش الابن نصب عینیها هدفاً محدداً یتمثل بتنفیذ برنامج الدرع الصاروخی والمتمثلة بنشر محطات الرادار والصواریخ الاعتراضیة فی عدد من دول أوربا الوسطى وبخاصة بولندا والتشیک، وهذه لیست إلا الخطوة الأولى إذ ضمن خطة طموحة تبنتها تلک الإدارة تقوم على الإسراع فی بناء نظام متعدد للدفاع الصاروخی، یتألف من صواریخ اعتراضیة منطلقة من البر ومن سفن بحریة أو قواعد بحریة، بالإضافة إلى أسلحة لیزر منطلقة من طائرات. وقد قامت وزارة الدفاع الأمریکیة فی أواخر دیسمبر الجاری بإلغاء الشق البحری من البرنامج بعد أن تبین أنه یتطلب تکلفة عالیة، وسوف تکون قدرته على إصابة الأهداف المعادیة منخفضة، ولکنها واصلت تطویر المنظومات الدفاعیة التی تنطلق من البر والجو، وتسعى إدارة بوش إلى الانتهاء من تطویر هذا النظام، وفی هذا السیاق فقد أجریت بالفعل أول تجربة للدفاع الصاروخی فی 14 تموز / یولیو 2001، إذ نجح الصاروخ الاعتراضی فی إسقاط صاروخ بالیستی مهاجم فوق المحیط الهادی عقب 20 دقیقة من إطلاقه، کما أجریت تجربة ناجحة جدیدة فی أوائل کانون الأول/ دیسمبر 2001 وهو ما قدم دعما قویا لخطط إدارة بوش الطموحة فی مجال الدفاع الصاروخی ([10]) .

   وفی شباط/ فبرایر 2007 دخلت الولایات المتحدة الأمریکیة فی مفاوضات مع التشیک وبولندا بخصوص الدرع الصاروخی، وفی 8 تموز/ یولیو 2008 وقعت واشنطن مع التشیک اتفاقیة یتم بموجبها نشر الرادار التابع للمنظومة الأمریکیة على الأراضی التشیکیة. کما تم التوقیع فی العشرین من شهر آب/ اغسطس 2008 على اتفاقیة عسکریة تمهیدیة بین واشنطن ووارسو والتی تسمح بنشر صواریخ الدرع الواقی الأمریکی على الأراضی البولندیة، وبموجبها ستقوم الولایات المتحدة بنشر عشر بطاریات صواریخ تابعة لمنظومة الدرع الصاروخی وذلک فی قاعدة (أوستا فیستکا) وهی قاعدة عسکریة بولندیة سابقة على ساحل البلطیق. وذکرت واشنطن بأن هذه الدفاعات ستحمی جزءاً کبیراً من القارة الاوروبیة وکذلک الولایات المتحدة من خطر الصواریخ بعیدة المدى التی قد یکون مصدرها من تصفهم واشنطن بالدول المارقة مثل إیران. وقد هددت موسکو على الفور بتوجیه صواریخها نحو القاعدة البولندیة التی ستأوی الدفاعات الامریکیة. وقال الکرملن أن الخطوة الامریکیة البولندیة المشترکة سوف تخل بالتوازنات الأمنیة الإقلیمیة. ونتیجة للتهدیدات الروسیة فقد أعلنت الولایات المتحدة أنها ستساعد بولندا فی حال تعرضت الى أی اعتداء من طرف ثالث، کما أعلنت أنها ستقوم بالمساعدة على تحدیث القوات البولندیة([11]) .

   کانت الإدارة الأمریکیة قد حددت عام 2010 أربع مراحل لتنفیذ برنامج الدرع الصاروخی، ووفقاً لوکیل وزارة الدفاع الأمریکیة للسیاسات الدفاعیة جیمس میلر (James Miller) فإن هذه المراحل تتضمن:

المرحلة الأولى: وهی المرحلة التی سیتم فیها استکمال المتطلبات اللازمة للتصدی للصواریخ قصیرة المدى، مثل الصاروخ الإیرانی " شهاب 3 "، وکان من المفترض أن تکتمل هذه المرحلة عام 2011، وقد خصص الکونجرس میزانیة تبلغ (9،9) ملیار دولار لهذا الغرض.

المرحلة الثانیة: تستمر حتى العام 2015 وتهدف إلى توفیر الحمایة لمناطق جنوب أوربا، اعتماداً على الدفاعات المتواجدة فی کل من رومانیا وبولندا وجمهوریة التشیک.

المرحلة الثالثة: لقد وضع البنتاغون سقف زمنی ینتهی بعام 2018 لإکمال هذه المرحلة، وکان الهدف منها حمایة مناطق أوربا کافة، بما فی ذلک أقصى شمال القارة وغربها.

المرحلة الرابعة: من المفترض أن تکتمل فی العام 2020 وتتضمن تحصینات وأنظمة دفاعیة ضد الصواریخ البالستیة بعیدة المدى (المحتمل إطلاقها من منطقة الشرق الأوسط)، فضلاً عن تطویر أنظمة الدفاع المدنی فی مختلف دول حلف الأطلسی مع تنسیق تام بینها فی توزیع أعباء الدفاع على أساس موارد تلک الدول، وتحدید أولویات الاشتباک مع التهدیدات المحتملة([12]).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث: الموقف الروسی

   لقد کانت روسیا تدرک جیداً الهدف الاستراتیجی الذی کانت إدارة بوش الابن تسعى لتحقیقه، والمتمثل بفرض الهیمنة الأمریکیة على العالم برمته وتعزیز وترسیخ حقیقة القطب الأوحد، والقضاء على أی منافس دولی، وقد نظرت روسیا إلى أی تحرک أمریکی وفسرته فی ضوء هذا الإدراک، لذلک لم تقتنع بالحجج والمزاعم التی ساقتها واشنطن لتبریر نشر الدرع الصاروخی فی بولندا والتشیک وعدته تهدیداً مباشراً لها وبخاصة أنه جاء مواکباً لخطوات وإجراءات أمریکیة أخرى مثل توسیع حلف شمالی الأطلسی وانضمام العدید من دول أوربا الشرقیة له، وإلغاء الولایات المتحدة الأمریکیة معاهدة الأنظمة الدفاعیة المضادة للصواریخ البالستیة والتی کانت تعدها روسیا حجر الزاویة فی العلاقات بین البلدین، إذ تؤمن الردع المتبادل بینهما کونها تعطی الفرصة لروسیا لتوجیه الضربة الثانیة بنجاح إذا ما وجهت الولایات المتحدة الأمریکیة ضدها الضربة الأولى، أما مشروع الدرع الصاروخی الأمریکی فإنه فی حال تنفیذه سیحرم روسیا من أیة قدرة على توجیه الضربة الثانیة. أی أن روسیا عدت هذا البرنامج یمثل تهدیداً مباشراً للتوازن الاستراتیجی بین الطرفین ([13]).

   عدت الولایات المتحدة الأمریکیة الرؤیة الروسیة لدرعها الصاروخی رؤیة غیر واقعیة، وقامت بشرح وجهة نظرها وبذلت جهودًا لإقناع حلفائها وتبدید هواجسهم حول الموضوع وبخاصة روسیا التی أکدت لها أن هذه الصواریخ لا یمکن أن تشکل خطرًا علیها، أو على قوة دفاعها الصاروخیة البالستیة. ویرى الأمیرکیون أنه استنادًا إلى إمکانات الصواریخ البالستیة الدفاعیة، ووفق المواقع الجغرافیة، لا تملک منظومة الدفاع هذه فی أوروبا الوسطى إمکانیة التصدی للصواریخ البالستیة الروسیة بعیدة المدى، وبذلک فإن الاعتراض الروسی، والادعاء بالإخلال بالتوازن الاستراتیجی غیر صحیح برأی الأمیرکیین. وعلى الرغم من الجهود الأمریکیة إلا أن المفاوضات بین الطرفین حول مشروع الدرع الصاروخی لم تتوصل إلى حل یرضی الطرفین إذ حافظ کل على موقفه ومقترحاته ورؤیته لإنجاز هذا المشروع. کذلک لم تفلح الجولات المتعدِّدة واللقاءات ما بین الرئیس الروسی فلادیمیر بوتین والرئیس الأمیرکی جورج دبلیو بوش، فی إقناع الطرف الروسی بالموافقة على المشروع الأمیرکی، ولا أفلحت مقترحات الطرف الروسی فی تغییر الموقف الأمیرکی، ومنها اقتراح بناء الدرع الصاروخی على الأراضی الروسیة لأنها تمتلک میزة أفضل فی مواجهة أی تهدید، خصوصًا من الجنوب، قد یهدِّد الولایات المتحدة ([14]).

   لقد ربطت روسیا بین مشروع الدرع الصاروخی الأمریکی ومبادرة الدفاع الاستراتیجی للرئیس رونالد ریغان عام 1983 بوصفها استراتیجیات للهیمنة الأمریکیة، وقال وزیر الخارجیة الروسی آنذاک سیرغی لافروف بأن هذه الفکرة مرفوضة وغیر مقبولة سواء من الجانب الروسی، ومن قبل الکثیر من الدول الأوربیة، فلیس من المقبول لأی أحد أن یستخدم القارة بوصفها أرضه الخاصة، فأی مشروع فردی للصواریخ المضادة سوف یغیر بشکلٍ أساسی الصورة الاستراتیجیة للقارة. وفی بدایة عام 2007 أصدر فلادیمیر بوتین مرسوماً یعلق فیه تطبیق روسیا لمعاهدة القوات التقلیدیة الموقعة بین الجانبین عام 1990 والتی نصت على إنهاء سباق التسلح وتحقیق الأمن والاستقرار الأوربی ([15]).

   وما أن بدأت المفاوضات بین الولایات المتحدة الأمریکیة وبولندا والتشیک حتى أعلنت موسکو رفضها القاطع لهذه الخطوة الأمریکیة، بوصفها تشکل تهدیداً لمصالحها الحیویة وتستهدف قدراتها الاستراتیجیة، وهددت موسکو بنشر صواریخ نوویة قصیرة المدى على حدودها مع حلف الناتو فی حال لم تتراجع واشنطن ([16])، کما هددت بتوجیه صواریخها النوویة إلى وسط أوربا إذا قامت الولایات المتحدة الأمریکیة بنشر درعها الصاروخی ([17]). کذلک صرَّح الرئیس الروسی میدفدیف بأن روسیا ستقوم ببناء دروع صاروخیة دفاعیة، وأنها وضعت قواتها فی حالة جهوز دائم ([18]). وعندما تم توقیع الاتفاقیة بین الولایات المتحدة وبولندا هددت موسکو على الفور بتوجیه صواریخها نحو القاعدة البولندیة التی ستأوی الدفاعات الامریکیة، فضلاً عن التهدید بوقف إمدادات الغاز الطبیعی عن بولندا، وقال الکرملن إن الخطوة الامریکیة_البولندیة المشترکة سوف تخل بالتوازنات الأمنیة الإقلیمیة وقد تستخدم ضد التوازن الاقلیمی الحالی ([19]). وعندما تم التوقیع على الاتفاقیة ما بین الولایات المتحدة الأمریکیة والتشیک نقلت وسائل الاعلام الروسیة عن مصدر فی وزارة الخارجیة الروسیة قوله إن هذا الاتفاق یضفی تعقیدات على أمن أوروبا ویلغی المشاورات مع موسکو بخصوص الدرع، ونقلت وکالة انترفاکس للأنباء عن مصدر رفیع فی وزارة الخارجیة قوله ” لقد اتخذت خطوة... لم تضف من وجهة نظرنا للأمن فی القارة الاوروبیة بل عقدت مشاکل الأمن، کما نقلت الوکالة عن مصدر فی وزارة الخارجیة قوله إن الاتفاق الامریکی مع جمهوریة التشیک بشأن وضع بعض مکونات الدرع الصاروخیة فی الاراضی التشیکیة ” یلغی فعلیا “ الاتفاق بین موسکو وواشنطن على التشاور بخصوص المنظومة الدفاعیة([20]) .

   استمرت حالة الجمود ما بین الولایات المتحدة الأمریکیة وروسیا، وبقیت واشنطن مصرة على تنفیذ برنامج الدرع الصاروخی حتى انتهاء فترة إدارة بوش الابن ومجیء إدارة أوباما (2009 – 2017)، لقد تبنت إدارة أوباما فلسفة واستراتیجیة جدیدة ومغایرة فی التعامل مع الشأن الدولی، إذ سعت إلى إدارة السیاسة الخارجیة الأمریکیة بعیداً عن فلسفة القوة الخشنة والتفرد بالقرار الدولی وتهمیش الحلفاء وفرض الهیمنة الأمریکیة، وحاولت بدلاً من ذلک التقلیل من الأعباء الخارجیة للولایات المتحدة الأمریکیة، وإصلاح الضرر الکبیر الذی لحق بعلاقات واشنطن مع حلفائها وأصدقائها، والتخفیف من حدة التوترات العالمیة، والرکون إلى الطرق الدبلوماسیة والوسائل السلمیة لحل الخلافات والمشاکل الدولیة.

   فی ضوء هذا التوجه لإدارة أوباما کان لا بد أن تتم معالجة الکثیر من ملفات السیاسة الخارجیة بطریقة مغایرة، وکان ملف الدرع الصاروخی واحداً من أهم تلک الملفات، تخلى عن خطط إدارة بوش وأعلن المقاربة الجدیدة لتطبیق خطة الدرع الصاروخیة مع إمکانیة تعدیلها على مراحل، رابطا تخفیض واشنطن مستوى تلک الخطط بإحراز تقدم على مسار تسویة القضیة النوویة الإیرانیة. وبدلا من بولندا والتشیک، اختارت واشنطن رومانیا کمکان لنشر عناصر الدرع الصاروخیة، فضلا عن نشر صواریخ اعتراض على متن سفن مرابطة فی البحر الأسود، بوصفه إجراء کفیلا باعتراض الصواریخ البالستیة متوسطة المدى. وتم نشر تلک الصواریخ فی البحر الأسود فی سبتمبر/ أیلول عام 2009، وفی عام 2010 وافقت رومانیا على استضافة صواریخ "SM-3" الأمریکیة فی أراضیها بدءا من عام 2015 ([21]).

    وهکذا أوقف الرئیس أوباما خطط سلفه جورج بوش بشأن إقامة درع صاروخی فی شرق أوروبا، فقد أبلغ أوباما الحکومة التشیکیة فی مکالمة هاتفیة بأن الولایات المتحدة ستتوقف عن بناء نظام رادار للدرع الصاروخی فی الأراضی التشیکیة. کما تم إبلاغ الحکومة البولندیة بأمر التخلی عن هذا المشروع الذی تنتقده روسیا بشکل کبیر ([22]).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة واستنتاجات:

تناول البحث الدرع الصاروخی الامریکی بوصفه استراتیجیة تبنتها الولایات المتحدة فی عهد عدد من الإدارات الجمهوریة کإدارة رونالد ریغان وجورج بوش الابن فی شرق أوروبا کوسیلة للتصدی للسیاسات الروسیة فی تلک المنطقة. وتطرق البحث إلى تأثیر هذه الاستراتیجیة على العلاقات الأمریکیة-الروسیة. ویمکن الإشارة إلى أبرز الاستنتاجات کما یأتی:

1 – کانت البدایة الحقیقة لمشروع الدرع الصاروخی مرتبطة ببدایات الحرب الباردة وانقسام العالم إلى قطبین متنافسین یعیشان على حافة الحرب، کما ارتبط بالتطور الکبیر الذی شهده میدان صناعة الصواریخ البالیستیة وتطور وسائل إیصالها إلى أراضی العدو.

2 – شهدت فترة إدارة الرئیس الأمریکی رونالد ریغان تصعیدا کبیرا فیما یتعلق ببرامج الدفاع الصاروخی من خلال المبادرة التی أطلقها وهی مبادرة الدفاع الاستراتیجی والتی عرفت بـ " حرب النجوم " إذ نقلت فکرة الدروع الصاروخیة إلى آفاق جدیدة ومدیات أکثر بعداً وتعقیداً.

3 – عندما وصلت إدارة جورج بوش الابن إلى الحکم عام 2001 لم یکن على جدول أعمالها سوى فکرة واحدة وهی فکرة الهیمنة العالمیة المطلقة بدون منافس وبدون منازع، والعمل على تسخیر وتوظیف کل قدرات الولایات المتحدة الأمریکیة من أجل تحقیق هذا الهدف.

4 – لذلک کان من الطبیعی أن تولی هذه الإدارة أهمیة خاصة ببرامج ومشاریع الدروع الصاروخیة بوصفها من أنجع وأهم الوسائل التی تمکنها من حمایة الأراضی والمصالح الأمریکیة من جهة، وتعطیها حریة أکبر فی مهاجمة وضرب من ترى فیهم أعداء لمشروع الهیمنة والتسلط العالمی.

5 – لقد سعت تلک الإدارة من أجل نشر درعها الصاروخی فی عدد من دول أوربا الشرقیة القریبة من الحدود الروسیة، ودخلت فی مفاوضات معها تمکنت فی نهایتها من التوصل إلى اتفاقیات تسمح لها بنشر أجزاء من درعها على أراضی تلک الدول.

6 – کانت الذریعة الأساسیة التی تذرعت بها واشنطن لنشر درعها الصاروخی متمثلة بالتصدی للدول التی تسمیها " الدول المارقة " مثل إیران وکوریا الشمالیة، لکن مثل هذه الحجج لم تقنع موسکو التی رأت فی الخطوات الأمریکیة تهدیداً لا یمکن السکوت علیه.

7 – اتبعت روسیا عدة خطوات ووسائل للتصدی لمشروع الدرع الصاروخی، إذ حاولت الضغط على الدول المستضیفة مثل بولندا والتشیک وتهدیدها بشکلٍ واضح لإجبارها على رفض المطالب الأمریکیة، کما أعلنت أن التصرفات الأمریکیة غیر المسؤولة قد تتسبب فی العودة إلى سباق التسلح المحموم الذی قد تترتب علیه نتائج کارثیة.

8 – لم یهدأ الاندفاع الأمریکی إلا بعد انتهاء فترة إدارة بوش الابن عام 2008، ومجیء إدارة أوباما الدیمقراطیة ذات الفکر والتوجه المغایر والتی تخلت عن خطط واشنطن المتعلقة بنشر وتشغیل الدرع الصاروخی فی شرق أوربا.

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والهوامش



([1]) طارق محمد ذنون الطائی : العلاقات الأمیرکیة الروسیة بعد الحرب الباردة، ( بغداد، مرکز حمورابی للبحوث والدراسات الاستراتیجیة : 2012 )، ص 157 - 158

([2]) المصدر نفسه، ص 158 .

([3]) درع الدفاع الصاروخی المضاد للصواریخ وتطور الاستراتیجیات وظهور الأزمات . متاح على الرابط الإلکترونی :

http://www.albasalh.com/vb/showthread.php?t=549

([4]) کارلهاینتس دشنر : المولوخ : إله الشر، تاریخ الولایات المتحدة، ترجمة : محمد حدید، الطبعة الثانیة، ( دمشق : 2004 )، ص 518 .

([5]) سفیتلوف، الکسیف : الروح العسکریة الأمریکیة، آلة الحرب، الأحلاف، القواعد وأعمال العدوان الطبعة الأولى، ترجمة : محمود شفیق شعبان، ( د . م . : 1988 )، ص 47 .

([6]) William J. Broad, “Cold Fusion Patents Sought” , New York Times , 14 April 1989:

     https://www.nytimes.com/1989/04/13/us/cold-fusion-patents-sought.html

([7]) للاستزادة راجع : أود آرن وستاد ، الحرب الباردة الکونیة، ترجمة : می مقلد، ( القاهرة، المرکز القومی للترجمة : 2014 )، 603 – 663 .

  • · ظهر مصطلح الدول المارقة لأول مرة فی الثمانینیات من القرن الماضی وذلک عندما استخدمه الرئیس الأمریکی رونالد ریغان لوصف نظام الرئیس اللیبی السابق معمر القذافی، وفی عهد الرئیس کلینتون تم إطلاقه على عدد من الدول المناهضة للسیاسة الأمیکیة مثل العراق وایران وکوریا الشمالیة .

([8]) محمود محمد الکرکی ، العلاقات الأمریکیة الروسیة فی عهدی الرئیسین فلادیمیر بوتین وجورج بوش، رسالة ماجستیر، جامعة مؤتة، ( الأردن : 2009 )، ص 43 .

([9]) “President Discusses National Missile Defense” Bush's remarks , The White House,  December 13 , 2001: https://georgewbush-whitehouse.archives.gov/news/releases/2001/12/20011213-4.html

([10]) "الدرع الصاروخی الأمریکی فی أوربا.. استئناف لحرب باردة جدیدة"، الحوار، 24/8/2008،  متاح على الرابط :

https://www.djazairess.com/elhiwar/3235

([11]) آدم ایستون، "اتفاق أمریکی بولندی ینعکس جمودا بین وارسو وموسکو"، 15/8/2008. متاح على الرابط :

 http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/world_news/newsid_7562000/7562850.stm

([12]) شیماء ترکان صالح : السیاسة الخارجیة الروسیة حیال القضایا الدولة، الانتشار النووی إنموذجاً، رسالة ماجستیر، جامعة النهرین کلیة العلوم السیاسیة، 2012، ص 138 – 139 .

([13]) المصدر نفسه، ص 139 .

([14]) أحمد علو، "بین الانتشار النووی والردع الصاروخی: العالم على رأس صاروخ"، مجلة الدفاع الوطنی، بیروت، العدد 71، کانون الثانی 2010، ص 21 - 22 .

([15]) الکرکی، المصدر السابق، ص 45 .

([16]) "الکرملین: سنرد حال نشر أوکرانیا صواریخ أمریکیة على أراضیها"، شبکة روسیا الیوم، 20/5/2015 . متاح على الرابط :

 https://arabic.rt.com/news/783496-موسکو-أوکرانیا-صواریخ-أمریکیة/

([17]) "امریکا وجمهوریة التشیک توقعان اتفاقا بشأن الدرع الصاروخیة"، صحیفة الایام الإلکترونیة، 9/7/2008 . متاح على الرابط :

https://www.alayyam.info/news/3FIQAYO0-TY5XNC

([18]) علو، المصدر السابق، ص 22 .

([19]) ایستون، المصدر السابق .

([20]) "أمریکا وجمهوریة التشیک توقعان  اتفاقا بشأن الدرع الصاروخیة"، المصدر السابق.

([21]) "الکرملین: سنرد حال نشر أوکرانیا صواریخ أمریکیة على أراضیها"، المصدر السابق.

([22]) "أوباما یوقف الدرع الصاروخی بأوروبا"، الجزیرة نت، 17/9/2009. متاح على الرابط :

https://www.aljazeera.net/news/international/2009/9/17/أوباما-یوقف-الدرع-الصاروخی-بأوروبا